من أحمد حسن مطر إلى روبيرتو لويس دي باروس

البودكاست
ديسمبر 15, 2020

لم أكن أعرف أحمد ولم أتعرف على هذه الشخصية حتى رأيت مذكراته في معرض الكتاب في الخرطوم عام 2019، ولربما لو لم يحثني ابن عمي على اقتنائها لما تعرفت على أحمد أو روبيرتو طيلة حياتي.

بدأت حياة أحمد بالأسفار منذ صغره والتي سترافقه طيلة عمره، ولد أحمد في مدينة أم درمان في الثاني من فبراير عام 1904 لأب سوداني هو الحاج حسن إبراهيم علي عبده، وأم سودانية، الحاجة آمنة بنت محمد، ذهب والده بالعائلة إلى الحجاز وأقام بالمدينة المنورة وعمل كمسارياً للتذاكر في سكة حديد الحجاز حيث تلقى أحمد دروسه الأولية كما ولد بها بعض إخوته، وفي عام 1911 عادت العائلة للسودان وأقاموا في مدينة وادي حلفا ثم انتقلوا لود مدني، ولربما كان لكثرة تنقلات أسرته أثرها على شخصية أحمد كثيرة الأسفار.

وفي عام 1923 قرر أحمد خوض أول رحلاته ومغامراته وحيداً حيث ذهب إلى بورتسودان وانسل في أول باخرة صادفته واختبأ فيها، حتى ظهر في منتصف عرض البحر، وبسبب عدم حمله لقيمة التذكرة فقد كُلف بالعمل في المطبخ والقيام بأعمال التنظيف حتى أنزلوه في ميناء اليمن وسرعان ما تم ترحيله لعدم الرغبة فيه كمتعطل وليس معه مال، فعاود الكرة مرة أخرى حتى وصل لمومباسا في شرق إفريقيا وقد وجد عملاً فيها. ومن هناك كتب يتحدث عما صادفه من أحداث وأنه بدأ يتعلم اللغة السواحيلية، اللغة السائدة في المعاملات في تلك البلاد مع اللغة الإنجليزية. ثم وصل أحمد إلى طنجة لمقابلة الأمير عبد الكريم الخطابي وأنه الآن في خدمة الأمير كمندوب في ألمانيا يعمل على شراء الأسلحة والمعدات الحربية وتهريبها للأمير في حربه التحريرية ضد اسبانيا.

وقد كانت عودته إلى القاهرة عام 1924، والأحوال السياسية ملغومة، والمطالبة بالاستقلال والجلاء قضية المصريين، فنفذ للجمعيات السرية، وتوطدت علاقته مع عبد الرحمن بك فهمي المشرف على التنظيم السري ومع الدكتور أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي، والتقى سعد باشا زغلول، وأجرى معه حديثا نشر في عدد من أكبر الصحف الفرنسية. ولسوء حظه فقد حضر إلى وزارة الحربية يسأل عن ميعاد خروج السردار لي ستاك من الديوان وذهب، وفي نفس اليوم أُغتيل السردار عند عودته من الوزارة، ولذلك فقد قبض عليه مع آخرين وتفتيشه. وما هي إلا أشهر قليلة حتى وصلت الأخبار إلى حكومة السودان بأنه قد تم القبض على شفيق منصور وآخرين كمرتكبي هذا الاغتيال وأن جميع السودانيين الذين قبض عليهم قد أفرج عنهم.

وبعد تلك الحادثة اضطر الإنجليز إلى إخراجه من مصر مبعدا سياسيا وكانت ذريعة المصريين في أسباب ابعاده أنه وإن لم يشترك في مقتل السردار إلا أن وجوده في مصر أصبح غير مرغوب فيه وتولى البوليس المصري توصيله إلى ميناء الإسكندرية وأعطيت له تذكرة سفر بناء على طلبه إلى البرازيل وكان ذلك في إبريل سنة 1925 يقول أحمد:

 “أقلعت الباخرة من ميناء الإسكندرية قاصدة جنوا للمرة الثانية من ميناء مصري، المرة الأولى من بور سعيد لمرسيليا في أول رحلة إلى أوروبا مغامرا متطلعا إلى آفاق بعيدة في هذا العالم الذي خرجت إليه بمحض رغبتي واختياري، بينما اخرج الآن طريدا شريدا معطوب الأمل وفي نفسي حسرة، هذه بلادي حيث أبوي وإخوتي تحول الأوضاع الجائرة دون وصولي اليهما كما تنكر البلد الشقيق مصر الذي آوى من غيري الكثيرين من شذاذ الآفاق البعيدة ووجدوا فيها أمنا، يشرد بنوها لغير ما ذنب جنوه ولكن إرضاء للمستعمر والخضوع لمشيئته.”

وكان لنفيه أثر كبيرٌ عليه كما يظهر في كتاباته، فبعد هذه الحادثة قد طلق أحمد السياسية العربية وتبنى السياسات الغربية.

وصل لأمريكا اللاتينية وهو لا يعرف أحداً، وكأنه بدأ من الصفر مجدداً، فنظم عددا من المحاضرات في الأندية العربية، وقد عمل مع عدد من الصحف حتى أنشأ صحيفته الخاصة، واستطاع مطر أن يلج مغاليق السياسة وقد حصل على مقعد في البرلمان الأرجنتيني ونال كل أصوات العرب هناك، ثم قرر بعدها الذهاب إلى بوليفيا وأخرج هناك صحيفة أخرى باللغتين العربية والإسبانية، وهاجر بعد ذلك إلى البرازيل وأخرج صحيفة بالعربية والبرتغالية، التي تعلمها من ابنة مديرة النزل الذي كان يسكن فيها، ودخل البرلمان وكاد أن يكون وزيراَ.

من أحمد حسن مطر إلى …

 يقول أحمد في مذكراته:

“قد كنت يوما أجلس في دائرة من الأصدقاء الصحفيين فقال أحدهم لماذا يا إخواني لا يغير “مطر” اسمه ليصبح برازيليا؟ فأمن الجميع على قوله ثم بدأوا في تخيّر الأسماء فقال أحدهم أنا أقترح اسمه الأول “روبيرتو” فصاحوا جميعهم هذا جميل, وقال آخر والاسم الثاني؟ قال “لويز” “روبيرتو لويز” هذا ظريف وجرسه ألطف, فلم يبق إلا اسم العائلة ليلحقوه بي, وهنا كثر اللغط بينهم وهم في نشوة تخيّر الاسم, وتعددت الأسماء فلم تلق القبول الاجتماعي, ثم طرأت لأحدهم فكرة فوقف منتصبا وقال لماذا لا نلحقه باسم “باروس” الشهير الذي كان يلقب “خطر على الحدود”, فصاح الجميع هذا هو وهكذا أصبحت من تلك الساعة روبيرتو لويس دي باروس, وباروس هذا الذي ألحقوني به كان ضابط ثوريا جسورا اشتهر اسمه في عهد حروب التحرير الأولى في البرازيل وأصبح اسمه يلقي الهلع والذعر بين الأعداء فلقبوه “خطر على الحدود.”

لقاء هتلر

عندما نشأت الحرب الإيطالية الإثيوبية, جاء إلى ميدان القتال كمراسل عسكري, وبعد ذلك ذهب إلى ألمانيا, والتقى بصديقه يونس بحري والسياسي الفلسطيني تاج الدين الحسيني, الذي رتب له لقاءً مع أدولف هتلر, يقول أحمد: “حدث أن رأيت لأول مرة أدولف هتلر بينما كنت أجلس مع ابن الجنرال لدونورف والماجور ماكس والكابتن فايس فمر علينا رجل في زي بافاري وعلى رأسه قبعة عليها ريشة يمشي بخطوة عسكرية رافعا رأسه إلى الأعلى لا يتلفت يمنة ولا يسرة فسألت عمن يكون هذا, فقيل لي أنه أحد المجانين ويدعى “أدولف هتلر” يعيش في خيال لتحقيق أحلام النهار, فطلبت التعرف إليه فقص علي واقفا لمحة عن كل ما عمله فيما سبق فأعجبت به, ثم سار, وضحك أصدقائي مستهزئين ولكني هززت رأسي وأخذت كلامه مأخذ المعقولية والجد ولم أدر انه سيصبح سيد ألمانيا المطاع, وألمانيا فوق الجميع.”

العودة

وبعد سنين من الغياب والنفي وفي عام 1956 تم السماح له بالعودة إلى السودان بعد الكثير من المحاولات والوساطات لكي يستطيع الرجوع إلى بلاده، فنظم وزارة الخارجية السودانية وكان رأي عبد الله خليل أن يعين سفيرا، ولكن وقفت العقبات أمامه، فعُين مسؤولا عن المراسم والترجمة، ولما استولى العسكر عام 1958 على حكم السودان، استطاع أحمد أن يدعو وفوداً من أمريكا اللاتينية، وقد كان أول وفد هو وفد كوبا وكان به شي جيفارا، وقد ظهر جيفارا في حديث في الإذاعة السودانية ترجمه مطر.

ولم يكن سعيداً في عمله خلال فترة الحكم العسكري على الإطلاق، ولكنه أصلح ذات البين بين السودان وإثيوبيا، ووطد العلاقة بين السودان وجمهورية ألمانيا الاتحادية.

لم نخدش سوى سطح مغامرات ورحلات أحمد حسن مطر التي خاضها في حياته والتي تحدث عنها بتفاصيلها في مذكراته “سندباد من السودان – مذكرات أول رحالة سوداني عالمي ومغامراته في الصحافة والسياسة الدولية”، التي أنصحكم بشدة للاطلاع عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *