مقالة: قصة كوخ وباستير

هل يمكننا العيش في عالم بدون لقاحات؟
مايو 7, 2014
البودكاست
ديسمبر 15, 2020

أثناء إلقاء باستير كلمته في مؤتمر جينيفا، حدث أمر غير متوقع كان لديه دور كبير في تكوين حياتنا الحالية، كانت العلاقة بين الطبيب كوخ والكيميائي باستير علاقة طبيعية رغم المنافسة التي كانت بينهما، والحالة السياسية حيث كانت ألمانيا منتصرة على فرنسا في الحرب الفرنسية الألمانية آن ذاك، ولكن لم تخلو تلك العلاقة من التوتر. كان باستير يتحدث عن اللقاحات ودراسته لعملية تخفيف الميكروبات إلى مواد تؤدي لعلاج المرض الذي تسببه، وأثناء حديثه أشار للألماني كوخ وأبحاثه في هذا الشأن، وأثناء ذلك انفجر كوخ غاضباً، ولم يفهم باستير ردة فعل كوخ هذه. وكانت نشأة هذا الخلاف الذي غير تاريخ البشرية بسبب خطأ في الترجمة.

أثناء كلمته أشار باستير لأعمال كوخ بلفظ (recueil allemanl) والتي تعني مجموعة أعمال الألماني إشارة إلى كوخ، ولكن المترجم المسؤول عن الترجمة لكوخ -حيث لمن يمكن أحدهما يفهم لغة الآخر – بتغيير اللفظ من recueil allemand إلى orgueil allemande والتي تعني غرور الألماني، وبالطبع، أصبح انفجار كوخ منطقيا الآن في وجه هذه الإهانة العلنية، ولكن باستير لم يدرك سبب كضب كوخ ولم يعرف للمسألة اهتماما. وبعد تلك الحادثة كتبت كوخ رسالة شديدة الحديدة، وقد وجه إهانات شخصية لباستير ونعت كلمة باستير في مؤتمر جينيفا ب البيانات العديمة القديمة، وقال إن هدف باستير الوحيد من تلك الكلمة هو توجيه الاتهامات إليه.

أنشأت هذه الحادثة نوعا من النزاع والمنافسة الشديدة بين العالمين، ولكنها لم تكن البداية، فلم تكن هذه المنافسة وليدة اللحظة، فقد كان العالمان يوجهان تركيزهما في قضايا مشتركة.

كان باستير مهتما بمختلف مجالات العلوم، ولديه مساهمات في أكثر من مجال رغم كونه كيميائيا، فقد كانت توكل إليه الكثير من المهام والمشاكل لدراستها وحلها. في عام 1856، طلب السيد بيقو الذي كان يعمل في صناعة الكحول، من باستير حل مشكلة تواجه وهي أن بعض منتجاته تصبح مثل اللبن الفاسد.

في ذلك الوقت كان الكيميائيون يعتبرون عملية تخمر الكحول ناتجة من تحلل السكر فقط والذي كان سببها كما أطلقوا عليها “الاهتزازات المتأصلة غير المستقرة”، ولكن كان لباستير رأي لآخر.

قرر باستيل الذهاب لمصنع التقطير الخاص بالسيد بيقو، وقام باستخدام المجهر لدراسة عينات من زجاجات الكحول الفاسدة، وهو أمر لم يفعله أحد غيره، فقد كان باستير مهووسا للبحث والعمل حسب زوجته.

في بداية أبحاثه كان باستير قد عرف كيف يفرق بين الجزيئات الحية والغير حية وتحديدها، وعند دراسته لعينات الكحول عرف أنه ينظر لأشياء حية. وقد وجد أن بعض الأشكال الصغيرة التي يراها هي خلايا الخميرة التي تقوم بتكسير السكر لتحويله إلى كحول، ولكنه رأى مخلوقات أخرى دقيقة تقوم بإحداث تغييرات غير مرغوبة، والتي كانت السبب في تلف منتجات بيقو. اكتشف باستير البكتيريا والتي أطلق عليها أيضا مسمى الجراثيم. وفي عام 1857 نشر ورقة عن النظرية الجرثومية في التخمر والتي كان لها تأثير كبير ونقطة مهمة لانطلاق علم الأحياء الدقيقة.

وفي عام 1863 فحص باستير زجاجة نبيذ فاسدة، ورأى ما يذكره ب المخلوقات الدقيقة التي رآها في مصنع بيقو قبل أعوام، وقد افترض أن سبب فساد النبيذ هو إصابتها بمرض سببته هذه البكتيريا.

بالتالي فكر باستير أن جزيئات الخميرة مهمة لصنع النبيذ ويجب أن تنمو، بينما خلايا البكتيريا يجب أن تقتل، وقد قام بابتكار وسيلة لفعل ذلك بتسخين النبيذ في درجة حرارة 50 – 60 سيليزية في علمية تستخدم حتى اليوم وتعرف بــ البسترة.

وفي هذه الأثناء وفي مكان بعيد من باستير الذي كان يبحث في عملية التخمير وانتقل لاحقا لدراسة أنواع مختلفة من الأمراض، كان منافسه الألماني كوخ قد تحصل على شهادة في الطب في ألمانيا، وأثناء ممارسته لمهنته كان كوخ يعمل وحده في منزله في دراسة مرض الجمرة الخبيثة الذي كان منتشرا بشدة في أوروبا آن ذاك وقد كان المزارعون قلقين من أن يصيب ماشيتهم. في عام 1873 كان قد بدأ دراسة عينات من دم الخراف التي نفقت بالجمرة الخبيثة، وقد لاحظ وجود أشكال عصوية الشكل (أي كالعصا) تشبه تلك التي لاحظها العالم الفرنسي Davaine وسماها باكتيرديا في ورقة نشرها عام 1863، وبعد ذلك بعام لاحظ كوخ شيئا مهما، حيث وجد أن هذه المخلوقات تمر بسلسلة حيث يتغير شكلها العصوي إلى ما يشبه الأبواغ، والذي أدى لتفسير سبب إصابة بعض أنواع الخراف للمرض حتى بدون تعرضها لحيوانات أخرى مصابة، حيث وجد أن تعرضها للتربة المليئة بهذه الأبواغ تكفي لتعريضها للإصابة بالمرض.

بدأ التنافس بين العالمين بسبب اهتمامهما المشترك بمرض الجمرة الخبيثة، حيث نشر باستير العديد من الأبحاث عن المرض بين 1878 و1880 وفي جميع أبحاثه كان يستخدم مصطلح Davaine للبكتيريا – باكتيرديا – بدال مما كان يطلقه عليها كوخ bacillus anthracis، ولكن توجد ملاحظة لباستير يعترف بها بعمل كوخ حيث قال فيها bacillus anthracis الخاصة بالألماني.

ولكل منهما تأثير كبير في البيئة المحيطة به حيث اهتم الألمان ومناصرو كوخ بدراسة البكتيريا المسببة للأمراض وقد وضعوا واستخدموا تقنيات لعزل البكتيريا وتحديد هوياتها، وقد كانت هذه المدرسة تؤمن بسبب تأثير كوخ ودراسته أن جميع خصائص وأشكال الميكروبات ثابتة لا تتغير تحت أي ظرف.

على الجانب الآخر وجه المتأثرون بباستير نظرهم لمسألة أخرى من الأمراض المعدية وهي المناعة، وقد كان ذلك بسبب نتيجة بحث سابق أجراه باستير على كوليرا الدجاج حيث لاحظ أنه بعض فصائل الكوليرا أصبحت لا تسبب المرض، وقد افترض أن ذلك حدث بسبب تغير أو تخفيف في خصائص مسبب المرض. وبناء على هذه الملاحظة بدأ في إجراء العديد من التجارب على الدجاج عاملا على فهم المناعة وطريقة تطوريها لأجل صناعة لقاح يمكن به تطعيم الحيوانات.

حتى جاء عام 1881 حيث قرر باستير إجراء تجربة باستخدام 70 رأسا من الماشية لتطوير مناعتهم ضد مرض الجمرة الخبيثة، حيث تم تطعيم نصفهم بلقاح صنعه باستير ضد الجمرة الخبيثة، وبعد ذلك ب 12 يوما، تم حقن جميع الحيوانات ببكتيريا مسببة للمرض، وكانت النتيجة أن جميع الحيوانات التي لم يتم إعطائها لقاحا في المرة الأولى قد لاقت حتفها.

في يوم ما أتى جاءت أم مع ابنها لباستير، كان الطفل تعرض ل عض من قبل كلب، وقد جاءت به أمه لباستير، الكيميائي، وعالم الأحياء الدقيقة الذي لم يمارس الطب، كان باستير يبحث قبلها في مرض داء الكلب حيث، قام بعمل لقاح له وبدأ تجربته على رجلين ولكن تلك التجربة لم تكلل بالنجاح ومات الرجلان. طلبت الأم من باستير، إعطاء اللقاح لابنها رغم خطورته، وقد كان باستير مترددا جدا في استخدامه على الطفل ولكنه في النهاية قرر تطعيم الطفل. 

حقن باستير الطفل 13 مرة في 10 أيام بمواد مخففة من فيروس داء الكلب المسبب للمرض، ولحسن الحظ، شفي الطفل تماما ولم يظهر أي أعراض للمرض نهائيا. القصة التي لها دور كبير في إنقاذ حياة البشرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *