هل يمكننا العيش في عالم بدون لقاحات؟

مقالة: Overthinking..
مايو 6, 2014
مقالة: قصة كوخ وباستير
مايو 8, 2014

«اللقاحات تنقذنا من الأمراض، ثم تجعلنا ننسى الأمراض التي تنقذنا منها”، هكذا قال المؤلف ريتشارد كونيف مؤخرًا

في الماضي لم يكن هناك أي مقاومة أو علاج فعال ضد الأمراض، وكانت تنتشر في القرى والمدن والولايات وبين الدول. يصبح الناجون الذين استطاعوا العيش بعد اصابتهم، مشوهين أو معاقين، وكان الرضع أكثر المتأثرين، فقبل القرن التاسع عشر أكثر من ربع الأطفال لم يستطيعوا العيش حتى لعيد ميلادهم الأول، يموت واحد من كل طفلين قبل أن يصل لسن الخامسة عشر.

تعمل اللقاحات على تقليل خطورة الإصابة بالأمراض عن طريق جعل الجهاز المناعي جاهزا لمقاومة هذه الأمراض، وتختلف أنواع اللقاحات في تكوينها ولكن جميعها تقوم بإعطاء الجهاز المناعي معلومات عن الفيروس أو البكتيريا التي التسبب المرض، حتى يتعرف عليها ويقضي عليها، وما يحدث أنه الجسم عندما يتعرض للإصابة بميكروب لأول مرة، فإنه يحتاج إلى فترة حتى ينتج ردة الفعل المناعية المناسبة للجسم الدخيل، وبمجرد التخلص منه، يصبح الجهاز المناعي محتفظا بمعلومات الميكروب، ويكون جاهزاً للقضاء عليه في المستقبل. أي ببساطة أن اللقاح تقوم بتزويد الجهاز المناعي بمعلومات العدو.

ولعل السؤال الأهم، هل يمكننا العيش في عالم بدون لقاحات؟ في ذلك العالم سيصاب الأطفال بالشلل والحصبة والكزاز، في هكذا عالم سيكح الرضع حتى الموت، سيعاني هؤلاء الأطفال ولن يستطيعوا الجري واللعب، بعضهم سيصاب بالعمى والآخر بالصمم، وبعضهم لن يستطيع العيش. سيكون عالما مختلفا، في عالمنا هذا لا نرى هذه الحالات ولا نصاب بها بسبب التطعيمات التي أنفذت ملايين الأطفال من كثير من الأمراض الفتاكة والمرعبة. ولكن قد تعود هذه الأمراض مجدداً، ونحن السبب.

ظهر بحث في بداية الألفية الثانية يتحدث عن علاقة التطعيمات بالتوحد وقد تمت إزالته بعد فترة قصيرة من نشره، لكنه قد وجد اهتماما كبيرا وتغطية ضخمة من الإعلام، واستغلوا قلق الآباء وخوفهم في الترويج للموضوع، هذا النقاش بين التطعيم ومنع التطعيم ومع الأسف أصبح سؤال جديا، يفكر فيه الناس. لا يمكن للناس إدراك وفهم عالم بدون تطعيمات لأنهم لم يعيشوا في مثله، لم يروا التأثيرات المريعة لهذه الأمراض، ولكنهم سمعوا خطابات أولئك الذين يلومون اللقاحات على ارتفاع معدلات التوحد والأمراض المناعية الأخرى.

ولكن هذه الحملة ضد التطعيمات ليست بالأمر الحديث، ففي بداية ظهور التطعيم ضد الجدري في بداية 1800، فإن فكرة إعطاء حقن الإنسان لمادة من جدري البقري لم ترق لفئة كبيرة من الناس وقد لاقت انتقادات عديدة، بتعليلات صحية ودينية وحتى سياسية.

وهناك الكثير مما يدفع الناس للإيمان بمثل هذا المعتقد، ولكن في رأيي الخاص أن المشكلة الرئيسية تكمن في كونهم يصرفون النظر عن المخاطر التي تحدث عند إهمال اللقاح، وينظرون لأعراضه الجانبية. وبالنسبة لهم فإن مخاطره أكبر من منافعه.

هناك من يعتقد أن السبب في انخفاض عدد الأمراض اليوم يعود بسبب تحسن الأوضاع الصحية والنظافة، وليس التطعيمات.

وفي وقتنا لا يخلوا موضوع من نظريات المؤامرة، فيشك البعض في التطعيمات وشركات الأدوية، حيث يعتبرون أن هدفهم الأول هو تحقيق الربح، وهناك من يشك العلم وفي المواد التي تصنع منها الأدوية واللقاحات ويفضلون العلاجات الطبيعية أو الشعبية، التي لديها تأثير إيجابي فعلا في تخفيف أعراض المرض، ولكنها ليست فعالة تماما ضد جميع الأمراض. 

يستدل مناصرو نظرية عدم أخذ اللقاح أيضا إلى حالات لا يتم فيها التلقيح ولا يصاب فيها أحد بالأمراض، ويرجع هذا إلى مناعة القطيع، تشير المناعة الجماعية إلى الحماية التي تتوفر للجميع في المجتمع من خلال معدلات تطعيم عالية. فعند تحصين عدد كاف من الناس ضد مرض معين، يصبح صعباً على هذا المرض التوطن في المجتمع. كما أن هذا يوفر بعض الحماية لمن لا يستطيع الحصول على اللقاحات من خلال الحد من احتمال تفشي هذا المرض الذي يمكن أن يعرضهم للإصابة.

وعندما تنخفض معدلات تطعيم المجتمع عن مستوى المناعة الجماعية، فقد يحدث تفشي للمرض على نطاق واسع. على سبيل المثال ما حدث في بريطانيا العظمى عندما انخفض معدل التطعيم ضد MMR (الحصبة والنكاف والروبيلا). يعد مرض الحصبة مرضًا معديًا للغاية، وبالتالي، فعتبة المناعة الجماعية فيه أعلى من معظم الأمراض الأخرى. في أواخر التسعينيات، بدأت معدلات التطعيم ضد MMR تنخفض مما يزيد عن 90% إلى اقل من 80% —وهذا أقل بكثير من المستوى المطلوب للمناعة الجماعية ضد الحصبة. ونتيجة لذلك، بدأ عدد الحالات المصابة في الارتفاع: فبينما تأكدت 56 حالة فقط في ويلز وإنجلترا في عام 1998، تأكد حدوث 1348 حالة بحلول عام 2008. وهكذا أصبح مرض كان انتشاره في البلاد قد أوقف لأكثر من عقد من الزمان وباءً مرة أخرى

إذا لم ندرك أهمية اللقاح وبدأنا في اهماله فسيكون انتصارا للميكروبات والجراثيم فهي لديها قدرة كبيرة في التطور والتحمل وفي النهاية إذا وصلنا لمرحلة كبيرة في الإهمال فسيكون نصرها قد تحقق، الأمراض المعدية ستعود وسوف تقضي على الكثير منا مرة أخرى، وبدلا من أن نتخيل عالما بدون لقاحات سنرى ذلك العالم. خلال أزمة الوباء الحالية، أصبح لدينا رؤية عن ماهية العيش مع مرض سريع الانتشار وبلا علاج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *